شبكة سنا الإخبارية

مقال : إفشال صفقة القرن ممكن

الإثنين 02 يوليو 2018 الساعة 08:26 أخر تحديث( الإثنين 02 يوليو 2018) الساعة 08:26 بتوقيت القدس المحتلة

162 مشاهدة

إفشال صفقة القرن ممكن

بقلم: إبراهيم فريحات / أكاديمي وباحث فلسطيني

"أليس من الأفضل للسلطة الفلسطينية الانخراط في حوار مع الولايات المتحدة، لتحسين صفقة القرن، بدلاً من المقاطعة؟" سألتني مراسلة قناة تلفزيونية عالمية، "وأنت أستاذ تسوية النزاعات بطريقة الحوار والتفاوض" أضافت. .. يبدو أن المراسلة ليست الوحيدة حيث يثير هذا التساؤل بين الفينة والأخرى بعض متابعي تطورات ما تسمى صفقة القرن، سيما الدبلوماسيون منهم. يفترض هذا المنطق أن التفاوض مع إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لا تعني الموافقة على الصفقة، بل هناك هامش يجب استغلاله، لتحسين ظروف الصفقة، طالما أنها واقعة لا محالة. ثم لماذا يقاطع الفلسطينيون الحوار مع إدارة ترامب، وبعد ذلك يلجأون إلى دول "الاعتدال العربي"، لإيصال رسائلهم، وهم بهذه الطريقة إنما يعطون أوراق قوة لهذه الدول التي يُعتقد، على نطاق واسع، أنها تخلت عنهم؟


الحوار من أنجع السبل لتسوية الأزمات السياسية، خصوصا إذا ما توفرت الإرادة السياسية، واستُخدم في التوقيت المناسب، وشمل اللاعبين الأساسيين، صانعي القرار في أزمة سياسية معينة. ولكن في حالة مشروع ترامب لتصفية القضية الفلسطينية، فقد الحوار أركانه الأساسية، وفقدت الصفقة إمكانية تحسين ظروفها، لمجموعة من الأسباب. أولاً، اتساع الفجوة بين الموقفين، الفلسطيني والأميركي، لشروط التسوية، حيث لا يدور الحديث هنا عن ترتيبات السيادة على القدس الشرقية، كما كان عليه الحال في مفاوضات ياسر عرفات – إيهود باراك عام 2000، أو حتى محمود عباس - إيهود أولمرت عام 2008، بل تم إخراج القدس القديمة برمتها من ترتيبات صفقة ترامب، وألحق بذلك أيضا إنكار حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وإبقاء الكتل الاستيطانية على حالها، كما أفادت معظم التسريبات والتصريحات الخاصة بصفقة القرن. 


ثانياً، يقف المفاوضون الأميركيون، جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات وديفيد فريدمان، يقفون على يمين رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، الذي تحدّى الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، ثماني سنوات، وأفشل نهجه التفاوضي برمته، فكيف للسلطة الفلسطينية أن تحسّن ظروف الصفقة مع من يقفون على يمين نتنياهو. 


ثالثاً، وربما يكون الأهم أن مؤشراتٍ كثيرة توحي بدعم دول "الاعتدال العربي" جهود ترامب للتسوية، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، علنا، وهذا يعني أن هذه الدول خرجت عملياً من معادلة الصراع، ما يعني أيضاً اختلالا فاضحا في موازين القوى، الأمر الذي يمنع أي إمكانية لتحسين شروط الصفقة، على اعتبار أن التفاوض انعكاسٌ لموازين قوى، فبماذا سيفاوض الفلسطينيون؟
إذن، يمكن إفشال "صفقة القرن" فقط، وليس تحسينها. أوراق القوة الحقيقية بيد القيادة الفلسطينية هي بالمقاطعة، ويظهر ذلك في عدة مواطن، منها تقارير تشير إلى حالة من الإحباط، يعايشها كوشنر، جرّاء رفض الفلسطينيين الحديث معه، وقد دعاه ذلك إلى إعطاء مقابلةٍ مع صحيفة القدس، لإيصال رسائله إلى الفلسطينيين، عبر إحدى صحفهم اليومية، وهو الذي نادراً جداً ما يعطي مقابلات للإعلام، الأمر الذي أثار استغراب مراقبين إعلاميين كثيرين في الولايات المتحدة على هذه الخطوة. وتلميحات كوشنر وغرينبلات عن تغيير القيادة الفلسطينية مؤشر حقيقي على درجة من الألم التي أصابت الاثنين، لعدم تعاطي القيادة الفلسطينية معهما.


قوة الفلسطينيين في ضعفهم، فبدونهم لا توجد "صفقة شرعية"، والشرعية عامل أساسي لنجاح تسوياتٍ معينةٍ في السياسة الدولية، فالولايات المتحدة ذهبت إلى العراق، بجيشها، بدون غطاء "شرعية دولية" من الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية، وفشلت على الرغم من كل ما حشدت من عشرات الآلاف من الجنود ومئات المليارات لميزانية الغزو. لكن الخطورة أن القيادة الفلسطينية تعتقد، أو هكذا يبدو من ممارساتها، بأن الرفض وحده سيوقف الصفقة ويفشلها، في مهدها، أو كما يتردّد "ولدت ميتة". هذا غير دقيق وخطير، إذ سيمضي تحالف اليمين الأميركي - الإسرائيلي في التنفيذ وبدون "الشرعية" (ورقة القوة الوحيدة التي يملكها الفلسطينيون)، وسيجدون من يتعاون معهم من دول "الاعتدال العربي". هم سيفشلون، في نهاية المطاف، ولكن حتى يفشلون سيكون هناك مساحة من الخراب قد حصلت، سيكون إصلاحها صعبا، أي كما يقول المثل العراقي "بعد خراب البصرة"، أو "ضياع القدس" في الحالة الفلسطينية. 


حتى يُفشل الفلسطينيون الصفقة، ويمنعون "خراب البصرة"، فهم بحاجة إلى أكثر من مقاطعة كوشنر وغرينبلات وشتم ديفيد فريدمان على الهواء، هم بحاجةٍ، كما ينادي الجميع الفلسطيني دوماً، للوحدة وإنهاء الإنقسام وتحرك شعبي وطني وحدوي، كالتحرك الذي أسقط مشروع الإدارة المدنية وروابط القرى في أوائل الثمانينيات. ليس مطلوبا من القيادة الفلسطينية محاربة الولايات المتحدة، وإنما قيادة تحرك شعبي سلمي فاعل، يتمثل بعصيان مدني، يكون في مستوى الصفقة. على الفلسطينيين استلهام سبل المجابهة من تاريخهم هم، فانتفاضة 1982 ضد روابط القرى لم تكن الوحيدة، بل قد يشكل إضراب 1936 حالة الاستلهام التي يحتاجها الفلسطينيون اليوم أكثر من أي وقت مضى. 

لا يمكن تحسين "صفقة القرن" بتمرير رسائل من خلال قيادات "عربية معتدلة". لم يركن ياسر عرفات يوماً الى القيادات العربية بالتفاوض نيابة عن الفلسطينيين، على الرغم من تقدم الموقف العربي آنذاك، وحافظ على استقلالية القرار الفلسطيني، ودفع ثمنا كبيراً لذلك. ولا تعني بعض التصريحات الرسمية العربية الصادرة اليوم عن ضرورة قيام دولة فلسطينية، وعاصمتها القدس الشرقية، شرطا لقبول صفقة القرن، بالضرورة "القدس القديمة"، فقد تكون بالنسبة لهم بلدة أبو ديس وقرىً محيطة بها.


في وسع القيادة الفلسطينية أن تفشل صفقة القرن، عندما تقود هي عصيانا مدنيا شاملا، يوقف القطار الأميركي المنطلق باتجاه التنفيذ، وبدون "الشرعية"، ويثبتون عكس ما قاله غرينبلات إن الفلسطينيين لا يقرّرون في موضوع الصفقة. يمكن للقيادة الفلسطينية التحرّك اليوم لإفشال الصفقة، ولا تنتظر حتى يحدث الخراب الذي لن يكون في مقدورهم إصلاحه فيما بعد، إذ "بعد خراب البصرة ما تفيد الحسرة"، كما يستطرد المثل العراقي.

المصدر : العربي الجديد
تحميل المزيد